نسعى لنترك أثراً ملهماً حول العالم

ما هي ظاهرة الديجافو | تفاسير بين الحقيقة والخيال

0 84

لقد مررت من هنا، انتظر فالمكان مألوف بالنسبة لي. هناك شيء ما ينبض في ماضي هذا المكان. هل اختبرت هذا الشعور من قبل؟ شعور لا يتعدى الثوان يمر في خاطرك، لكنه لا يبرح مخيلة أفكارك إلا وأنت منهك من توارد الأسئلة، هل حقا كنت هنا من قبل؟ علميا هذا ما يطلق عليه ظاهرة الديجافو.

إن هذه التجربة المربكة لم تعشها أنت وحدك، لكن هناك ما يقارب 70% من البشر، تَشارك وإياك الأسئلة والحيرة. وقام بالبحث من أجل تفسير الشعور الغامر بالألفة والغرابة الذي انتابه. تعددت التفسيرات فلسفيًّا وعلميًّا، ونحن هنا في صدد أن نقدم لك خلاصة النتيجة، علّك تُسكت انهمار شلال الشك في رأسك.

ما هي ظاهرة الديجافو

ظاهرة الديجافو
ما هي ظاهرة الديجافو

تنحدر تسمية هذه الظاهرة من اللغة الفرنسية Déjà vu والذي يأتي بمعنى “شاهدت من قبل”، وكان أول من أطلقها في عام 1876، عالم بارسكيولوجي فرنسي يدعى إميل بويرك. والذي ألف كتاب  The psychology of the future وقد تناول فيه وصفًا لهذه الظاهرة. فنظرا لحالة الحيرة التي تلف هذا الشعور، فقد تعددت التحليلات والتأويلات. وتنوعت مصادر البحث، ما بين تفسيرات علمية أو فلسفية وحتى دينية.

بعض الاجتهادات، أرجع السبب فيها إلى ذكريات قديمة عالقة في مكان ما مجهول. في حين، وصفها البعض الآخر كنوع من الخيال والوهم دون أي تفسير واضح. بالإضافة إلى، تفسير آخر كان له بعد فلسفي، وهو ارتباط هذه الظاهرة بالمرحلة الجنينية التي يمر بها الإنسان في رحم أمه. فقد تداول البعض، أن الأجنة في الأرحام تُمنح رؤية مسار حياتها الدنيوي. قبل أن تخرج إلى عالم الأحياء.

هل هناك أنواع لظاهرة الديجافو

مع تعدد تفسيرات حالة الديجافو، أجمع العلماء على تقسيمها إلى عدة أنواع أهمها:

  • Déjà Sent: تحدث في حالات الشم لرائحة معينة.
  • ظاهرة Déjà Su: أي قد خطرت على بالي هذه الفكرة سابقا.
  • حالة Déjà Parlé: وهي تعبر عن الفكرة القائلة بأن هذا الحديث قد تحدثت به من قبل.
  • Déjà Visité: إنه مكان مألوف، لقد كنت هنا يوما ما.
  • Déjà Raconté: لقد سمعت هذا الخبر، إنه ليس جديدا على سمعي.

 عوامل تزيد من الديجافو

قد يختلف تواتر حدوث هذه الظاهرة فيما إذا ترافق مع وجود عوامل محفزة، ومن أهم هذه العوامل:

  • السن: حيث يرجح حدوث في الأعمار التي تتراوح بين 25 و15، فيما تقل بالتدريج بين الأكبر عمرا.
  • المجتمع: يبدو من خلال الإحصاءات، أن المجتمعات الأكثر تطورا اقتصاديا وثقافيا، تكثر فيها حالات الشعور بالديجافو، مع أننا قد نعزو السبب بأن هذه المجتمعات يسهل فيها الحديث والحصول على الاستبيانات، فيما يصعب هذا في المجتمعات الأكثر انغلاقا.
  • التعب، والتوتر: سجلت الدراسات ارتفاعا في الشعور الزائد بالألفة حين تعرض الإنسان للضغط والإجهاد.
  • بعض أنواع الأدوية: ترتفع حالات الديجافو بين المرضى بحالات الإنفلونزا وخاصة ممن يتناول أدوية Propanolamine وعقارالأمانتادين.
  • السفر: يتعرض الأشخاص الأكثر سفرا وتنقلا لتكرار ظاهرة الديجافو معهم بنسبة أكبر من غيرهم.

كيف يمكن للعلم أن يفسر ظاهرة الديجافو

ظاهرة الديجافو
اسباب ظاهرة الديجافو

بناء على الأسس العلمية، تمّ القيام بتقصي هذه الظاهرة، وفق طريقتين، أحدهما قائمة على الملاحظة والأخرى مرتكزة على التجربة. تبعا لدراسة قامت في 2003، حيث أوضحت أن السن الذي يتراوح بين أعمار الشباب والمراهقين أكثر شعورا بهذه الظاهرة. وهذا أفضى أن النواقل العصبية مثل الدوبامين لها علاقة مباشرة بالظاهرة. فمن المعروف وجود هذه النواقل بكثرة بين الأقل سنًّا.

إلى جانب ذلك، قام باحثون بدراسة حالة شاب في عمر 39، حين ذكر أنه يمر بالديجافو. وبعد التقصي عن تاريخه المرضي، تبين أنه يتعاطى أدوية مضادة للإنفلونزا، هذه الأدوية كان من شأنها أن تزيد جرعة الدوبامين في الجسم، وحين توقف الشاب عن أخذها توقفت أيضا ظاهرة الديجافو عن الحدوث.

مرة أخرى يبحث العلم، فقد لاحظ العلماء وجود ترابط بين Temporal lobe epilepsy مرض الصرع الصدغي. فقد ثَبَتَ أن مرضى الصرع حدثت لهم هذه الظاهرة قبل أن يدخلوا في النوبات المتزامنة مع هذا المرض. حسب الدراسة، إن تأثير الصرع الصدغي يكون في جزء محدد من المخ وهو ما يطلق عليه Hippocampus. هذا الجزء مسؤول عن تكوين الذكريات وتنسيقها في الدماغ. هذا الأمر حذا بالعلماء أن يقدموا تفسيرهم للظاهرة. كحالة اختلال عصبي تتناقله إشارات عشوائية الحدوث، وهذا ما يسبب شعور زائد بالألفة للمكان.

علاج ظاهرة الديجافو

في الواقع، لا داعي للقلق من حدوث هذه الظاهرة، فالأمر لا يعدو ثوان قليلة تمر ببساطة. حتى وإن كان من الصعب تجاهل أحاسيس الشك وأسئلة الدهشة المرافقة. بل إن حدوث حالة زيادة الألفة معك، قد ينبئ بنظام تخزين ممتاز في الدماغ.

إلاّ أنه، في حال تكررت الحالة بشكل مزعج، فما عليك سوى الابتعاد عن العوامل المسببة لها والتي ذكرت سابقا. ولكن، بالطبع يجب عليك مراجعة الطبيب في حال تزامن الديجافو مع أعراض أخرى، مثل:

  • تواتر حدوثها لأكثر من عدة مرات في الشهر
  •  أن تترافق بمشاهد بصرية وكأنك تعيش في الحلم.
  • الإصابة بتسرع نبضات القلب أو فقدان للوعي.

أسئلة شائعة عن حالة Déjà vu

هناك عدد من الأسئلة لا بد أن تخطر على بالنا في حال تعرضنا لهذه الظاهرة، وإليك بعضها:

س: هل هناك ظواهر مشابهة لحالة الديجافو؟

نعم هناك بعض الظواهر التي قد يختلط علينا تعريفها فنشبهها بالديجافو، مثل ظاهرة jamais vu. وهي حالة قد نمر بها حين نعتاد القيام بفعل ما، ولكننا نعجر عن تذكره أو تمييزه، كأن تمر كل يوم إلى عملك في طريق محدد، ولكنك لا يمكن أن تذكر أي تفاصيل متعلقة بهذا الروتين أو حتى تذكر معالم الطريق.

س: ما هي نسب حدوث هذه الظاهرة في العالم، وهل هي أمر مفيد؟

أجمعت الدراسات إن البشر أغلبهم معرضون للمرور بهذه التجربة، فقد تراوحت نسب حدوثها بين 30% و100%. ولكن هذه النسب تبقى احتمالية وغير مؤكدة، فمن الصعب حصر جميع السكان وسؤالهم كما من الصعب الوثوق بالإجابة فهي غير قابلة للقياس بالطرق المخبرية العلمية. أما عن فائدتها، فيقول الباحث في جامعة سينت أندروز Akira O’Connor في دراسة نشرتها ناسا، أن هذه الظاهرة قد تكون سببا في أن لا تجعل الناس يثقون بذاكرتهم دائما، إلاّ أنه من غير المعروف لها فائدة محددة حتى اليوم، ونحن هنا ننتظر العلم علّه يجد تفسيرا لحدوثها.

في الختام، لا بد أن الظوهر التي يلفها الغموض تأخذ حيِّزا كبيرا من تفكيرنا، وتعتبر مضمار بحث شيق لعلماء النفس كما لأطباء الأعصاب. وهذا ما ينطبق بالضبط على ظاهرة استثنائية كالديجافو، فغرابة عبورها في دهاليز ذاكرتنا يثير في النفس هواجس العقل والفِكر، فننبش ملفات العلم وماورائيات الفلسفة علّنا نشفي سَقم أسئلتنا الوجودية بشيء من الفهم.

نسعى لنترك أثرا ملهما
            تابع ملهمون لعلك تكون ملهمًا يومًا ما
اترك رداً

لن يتم عرض بريدك الالكتروني.

تم إضافة تعليقك بنجاح

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء ملفات الكوكيز في أي وقت إذا كنت ترغب في ذلك. موافق قراءة المزيد