نسعى لنترك أثراً ملهماً حول العالم

تجربة الكون 25 | تحوّل الجنة إلى جحيم

0 304

هل سمعت بتجربة الكون 25 وهل يمكن حقاً أن تتحول الجنة إلى جحيم؟!

ماذا لو كنا في عالم مثالي دون قيود وكل ما ترغب به تحصل عليه.. هل تتوقع بأن تحدث المشاكل وينهار هذا العالم؟

ماذا حصل عندما حاول الإنسان أن يخلق كوناً؟

تم إجراء تجربة الكون 25 (universe 25 experience) في الستينيات.. عن طريق العالم الأمريكي جون كالهون.. وتعد هذه التجربة إحدى أهم التجارب العلمية في التاريخ وهي تجربة علمية اجتماعية قامت بدراسة وإظهار سلوك الفئران في ظل ظروف مثالية للحياة.. كانت النتائج غير متوقعة أبداً وتقشعر لها الأبدان!

الكون 25، هذا هو الاسم الذي تم إطلاقه على التجربة التي كان هدفها دراسة وفهم كيف يمكن للكثافة السكانية العالية أن تقوم بالتأثير على سلوك الفئران ومحاولة العلماء أن يربطوها بعالم الانسان والبشرية.

ففي التاسع من شهر يوليو سنة 1968 بالتحديد، قام العالم جون كالهون بوضع ثمانية فئران ضمن صندوق لا تتعدى مساحته الإجمالية سبعة أمتار مربعة، وقام بتزويدهم بالطعام الكافي والمأوى وكل ما هو ضروري من أجل العيش فيما يمكن أن نطلق عليه جنة الفئران.

تحولت هذه الجنة إلى جحيم بعد 5 سنوات تقريباً.. لم يبقَ أي فئران على قيد الحياة، بعد أن مات المئات منهم لسوء حظهم ولأنهم ولدوا هناك.

 

تجربة الكون 25 وعلاقة جون كالهون بفئران التجارب 

كان عالم السلوك جون كالهون *مهووساً بالفئران*. حصل على درجة الدكتوراه في علم الأحياء وفي إحدى الوظائف الأولى التي عمل عليها تم تكليفه للقيام بتجارب واختبارات حول سلوك الفئران في بالتيمور، والتي كانت تعتبر مشكلة كبيرة في منتصف القرن العشرين.

لم يكن هذا المشروع الأول من نوعه، فقد أمضى كالهون سنوات في دراسة السلوك عند الفئران أثناء عمله في NIMH (المعهد الوطني للصحة العقلية)، حيث قام بتجربة آثار الازدحام السكاني للقوارض عن طريق عوالم اصطناعية أطلق عليها اسم الأكوان الفاضلة.

ربما كانت تجربة الكون 25 هي التجربة الأكثر شهرة من بين تجارب كالهون التي لقيت نجاحاً، سواء بالنسبة للبنية التحتية أو حتى للنتائج المرعبة التي طرحت سؤالاً مهماً في بقية المجتمعات: هل هذا هو المستقبل الذي ينتظرنا؟

دراسات ما قبل تجربة الكون 25 

قام جون كالهون بصياغة مصطلح “الحوض السلوكي” من أجل وصف الانهيار في السلوك الذي حصل بسبب الازدحام الهائل. لسنوات قام بدراسات الازدحام السكاني هذه بالتجارب، في البداية على الجرذان وبعدها تمت تجربتها على الفئران.

انتهى الأمر بدراساته، التي تم نشرها في مجلة Scientific American في الستينيات، لتصبح نموذجاً حيوانياً يعبر عن انهيار المجتمع، وبالتأكيد كانت هذه التجربة بمثابة محك في علم الاجتماع الحضري.

عندما انتهى من الجزء الأول في تجاربه عام 1962، تلك التي قام بها مع الفئران، ثام بوصف السلوك في المنشورات العلمية وفق النحو التالي:

لم تستطع الكثير من إناث الجرذان من إتمام الحمل، لم تكن لديهم أدنى رغبة من الأمومة، سرعان ما قاموا بالتخلي عن صغارهن بعد الولادة، لم يكن لديهن أي نوع من وظيفة الأم.

عند الذكور كذلك كانت هناك تغييرات واضحة من السلوك الجنسي إلى أكل لحوم بعضهم أو فرط النشاط المحموم والتنافسية الشديدة. في التجارب التي حصل فيها تطوير هذا الجزء من الاختبارات، كان معدل وفيات الرضع 96 بالمئة بين أكثر المجموعات تشويشاً بين السكان.

الجنة التي تحولت إلى جحيم 

جميع هذه التغيرات الجذرية الصادمة في سلوك الفئران سواء بين الإناث أو الذكور، يعود سببها إلى الازدحام الكبير في المستعمرة التي كانوا يعيشون فيها.

نظراً لتكاثر الفئران السريع، والذي قام بتحويل هذه المستعمرة من جنة مترامية الأطراف وغنية بالغذاء إلى جحيم ينتصر فيه القوي على الضعيف والحياة فيه مستحيلة.

تم نشر نتائج تجربة الكون 25 في سبتمبر عام 1962 ووجدت طريقها إلى الثقافة الشعبية على أنها معيار للسلوك البشري، بالإضافة إلى أنها أحدثت نقلة نوعية في تاريخ العلم.

المرحلة الأولى من الاختبارات التي بدأت من عام 1954 إلى 1972 بنفس النمط، تمثلت بتكديس عدد كبير من الفئران في منزل اصطناعي مع تأمين موارد غير محدودة لهم من أجل توفير إمكانية التكاثر في أفضل الظروف.

بعد العمل الجاد على إنشاء يوتوبيا الفأر أو جنة الفأر تحولت فيما بعد إلى جحيم نتيجة لقلة الموارد والمكان الضيّق.

هذه هي بكل بساطة تجربة الكون 25.

 

النعمة التي تحولت إلى نقمة

بالرغم من أن مساحة الفضاء كانت محدودة إلّا أنه كان مناسباً ومثالياً لتلك الفئران، حيث أن جميع الظروف الأخرى كانت مثالية للحياة في جنة الفأر، فهي تملك العديد من الموارد تستطيع من خلالها مواصلة حياتها في نعيم.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد بيّنت التجربة الحقيقة الصادمة لما يمكن أن يحصل في بيئة مكتظة بالسكان حيث توجد موارد غير محدودة. وقد بدأت التجربة بأربعة أزواج من الفئران الخالية من الأمراض إضافة إلى أربعة ذكور وأربع إناث.

بعد حوالي 104 أيام من البدء بدأت الفئران في التكاثر. وبعد 300 يوم آخر، بلغ عدد الفئران بالفعل حوالي 600 فأر مختلف في المستعمرة. وبحلول اليوم 560 من التجربة، وصل العدد إلى الذروة بما يقارب 2200 … وعند هذه المرحلة بدأ عدد الفئران في الانخفاض. ماذا حصل بعد ذلك؟

ما حصل في التجربة هو انخفاض عدد الفئران، وذلك نتيجةً للتكاثر الضخم، كان الاكتظاظ السكاني يقضي على المجتمع!

لم يكن هناك مكان للجميع فبدأت الفئران في الفتك ببعضها البعض وظهر تغير واضح في السلوكيات لتعلن نهاية مستعمرات الفئران.

 

صديق اليوم عدو الغد 

عندما وصل الفئران إلى ذروة التكاثر، أمضت معظمهم كل لحظة من حياتها برفقة مئات الآخرين. نعم، لقد تقابلوا كما في البداية داخل الصناديق التي تم إنشاؤها، ولكن على خلاف البداية فقد قاموا بذلك فقط في انتظار إطعامهم.

تحولت هذه اللحظات إلى مواقف عنيفة بشكل كبير، قامت الفئران بمهاجمة بعضها البعض، المنطقة التي بدأت بمساحات “كبيرة” لعدد قليل من العناصر باتت مساحة خانقة حيث كافحوا للبقاء في “منطقتهم”.

توقف الذكور الذين يعانون من الإجهاد الكبير عن الإنجاب.. وهو ما توصل إليه كالهون على أنه انخفاض في جاذبية الإناث أنفسهن. كما نقصت أعداد الإناث الحوامل بشكل ملحوظ، وأولئك الذين ولدوا قاموا بالتخلي عن أطفالهم بكل بساطة.

نتائج تجربة الكون 25 

وهكذا عند الوصول إلى اليوم 600 من تجربة الكون 25، وهو اليوم الذي انقرضت فيه المستعمرة بالكامل. كان يوجد عدد ضئيل من الفئران التي نجت من الانهيار الاجتماعي.. ولم يكن هناك فئران صغيرة، ولا فئران حامل، ولا توجد أيّة فرصة للتكاثر لأنها خسرت كل أثر للتفاعل الاجتماعي. كانت هذه التجربة القاسية في حد ذاتها ناجحة. كما شرح كالهون :

بطريقة ما، لم تعد تلك المخلوقات فئراناً قبل وفاتها بوقت طويل.. “الموت الأول” الذي دمر الروح والمجتمع نفسه بشكل عميق مثل “الموت الثاني” للجسد المادي.. فلقد فقدوا الرغبة في الحياة والارتباط والتواصل فيما بينهم.

تجربة مرعبة لكنها غذاء للفكر. كان لدى الفئران جميع الأسباب للبقاء على قيد الحياة، كل شيء باستثناء المساحة. الأمر الذي تسبب في انهيار اجتماعي يؤثر على طبقات كل حيوان ثديي، ويقوم بكسر شخصية كل منها من الداخل.

 

المغزى المستخلص من التجربة

لقد أُطلق عليها هذا الاسم لأنها التكرار رقم 25 للعملية.. لكن الشيء الأكثر إثارة للدهشة في التجربة يتمثل بأن الفئران كانت تملك موارد كافية.. حتى في ذروة العدد الأقصى من السكان، إنها لم تكن تفتقر إطلاقاً إلى الماء أو الطعام أو حتى أماكن التعشيش. لكن أدى الاكتظاظ السكاني إلى القضاء على التركيب الاجتماعي والعقلي للفئران بالرغم من وفرة الموارد.

 

هل نستطيع رسم أوجه تشابه بين تجربة الكون 25 وعالم البشر؟ وهل يمكن أن تكون الكثافة السكانية أكبر مشكلة نتعرض لها في المستقبل؟

لكن الهياكل الاجتماعية تجعل الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة لبني البشر. وحتى لو توقفنا يوماً ما عن الوجود.. فمن المؤكد أن التفسير لن يأتي من تجربة أجريت على فئران التجارب.. والكون 25 تبقى مجرد تجربة علمية من الممكن الاستفادة منها مستقبلاً.

تجربة الكون 25

تابع ملهمون فلعلك تكون ملهمًا يومًا ما.

اترك رداً

لن يتم عرض بريدك الالكتروني.

تم إضافة تعليقك بنجاح

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء ملفات الكوكيز في أي وقت إذا كنت ترغب في ذلك. موافق قراءة المزيد